المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خديجة بنت خويلد - أول المؤمنات ..(الجزء الثانى ).


صلاح ادريس
09-14-2008, 06:11 AM
في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر تلقي محمد رسالة الوحي إيذانا بعهد جديد ملؤه الاضطهاد والأذي‏,‏ والجهاد‏,‏ ثم النصر‏..‏ فما أن شارف المختار الأربعين حتي كان قد ألف خلوة غار حراء يستجلي برياضته الروحية السر الأعظم‏,‏ وما كانت عين خديجة تغفل عن حراسته ورعايته لتمشي من بيتها لجبل النور حاملة لسيد الخلق طعامه وشرابه فتقطع المسافة ذهابا وإيابا بما يقدر بخمسة كيلومترات وأربعمائة متر‏,‏ وبعدها تصعد الجبل الذي يبلغ ارتفاعه ثمانمائة وستة وستين مترا فوق سطح البحر لتطمئن عليه‏,‏ وتعينه علي ما هو فيه‏,‏ فإن وجدته مستغرقا في تأملاته سادرا في خلوته وضعت الزاد وانسحبت في هدوء حتي لا تخدش أجواء علوية كانت ارهاصات للحدث الجلل‏,‏ وسكونا مهيئا لموكب النور‏,‏ ومهبطا له المقام الرفيع لجبريل والقرآن الكريم‏..‏ و‏..‏ اقرأ باسم ربك الذي خلق‏,‏ خلق الإنسان من علق‏..‏ ويلتمس محمد بيته في غبشة الفجر شاحبا يرجف فؤاده ينفض لدي الحبيبة مخاوفه لتضمه إلي صدرها‏:‏ فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة‏,‏ والله لا يخزيك أبدا‏..‏ إنك لتصل الرحم‏,‏ وتصدق الحديث‏,‏ وتحمل الكل‏,‏ وتقري الضيف‏,‏ وتعين علي نوائب الدهر‏..

‏ ويزايله روعه‏,‏ فما هو بالكاهن ولا من به جنة‏,‏ ويستغرق المختار في نومه المطمئن لتصحبه بعدها إلي ابن عمها العالم الضرير ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبدالعزي وأمه هند بنت أبي كبير بن عبد بن قصي الذي لم يتزوج ولم يعقب أولادا وكان قد تنصر في الجاهلية ويكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء له أن يكتب‏,‏ وكانت خديجة تلجأ إليه لتبثه قلقها وحيرتها وعدم قناعتها بعبادة الأصنام وما كان من نبوءة راهب بحيرا للرسول الذي أخبره بما رأي أولا وأخيرا فاهتز الشيخ انفعالا ليقول في حماسة بالغة قدوس‏..‏ قدوس‏,‏ لقد جاء الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسي وعيسي‏,‏ وياليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ أو مخرجي هم؟ قال‏:‏ نعم‏,‏ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي‏,‏ وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا‏..‏ ويظل ورقة يستبطئ الأمر‏..‏ أمر النبوة الإسلامية ليقول في ذلك‏:‏

لججت وكنت في الذكري لجوجالهم طــــالما بـعــــث النشيجـا

ووصف من خـديجة بعـد وصف فقد طال انتظاري يا خديجا

ببطــن المكــــتين عـــلـي رجـــــائي حديثك أن أري مـنه خــروجا

بمـــا خــــبرتنا مــــن قــول قــسي من الرهـبان أكــــره أن يعوجا

بأن محمـــدا سيســـــــود قــــوما ويخصم من يكون له حجيجا

ويظــهر في البـــلاد ضــــياء نــور يقـــوم به البــرية أن تمــوجا

فـيـلـقي مـــــن يحــــــاربه خسارا ويـلـقي مــــن يســالمـه فلوجا

فــــيالـيـتـنـي إذا مــا كـــان ذاكـــم شهــدت وكـنت أولهـم ولوجا

ويفتر الوحي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فترة‏,‏ حتي شق عليه ذلك فأحزنه‏,‏ فجاءه جبريل بسورة الضحي‏,‏ يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به‏,‏ ما ودعه وما قلاه‏,‏ فقال تعالي‏:‏ والضحي والليل إذا سجي‏.‏ ما ودعك ربك وما قلي ــ أي ما تركك وما أبغضك منذ أحبك‏.‏ وللآخرة خير لك من الأولي‏..‏ فجعل رسول الله صلي الله عليه وسلم يذكر سرا ما أنعم الله به عليه وعلي العباد من النبوة إلي من يطمئن إليه من أهله إلي أن نادت قريش بعزل النبي صلي الله عليه وسلم وحصاره مع أهله بني هاشم وبني المطلب‏,‏ والتضييق عليهم في شعب أبي طالب‏,‏ ومنع الطعام وكل مقومات الحياة عنهم‏..‏ ولم ترض خديجة ابنة الثراء والنعيم أن تبقي في دارها المترفة تنعم برغد العيش مع أنها لم تكن معنية بتلك المقاطعة‏,‏ وكان بيدها لو أرادت‏,‏ ولها في عشيرتها بني أسد قوة وبأس‏,‏ ولكنها آثرت اللحاق بزوجها الحبيب للاشتراك في الجهاد مما أثر في رجال عشيرتها‏,‏ فكيف يرضون أن تجوع من كانت تغدق بخيراتها علي الجميع فاندفع بعضهم يحمل إليها الطعام سرا‏,‏ ومن بينهم ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد الذي ذهب يحمل لها القمح‏,‏

فيلقاه أبوجهل ليمنعه فتماسك الرجلان ليتدخل ابن عم خديجة أبوالبختري بن هشام الذي يتصدي لأبي جهل فيكيل له الضربات ويلقيه علي وجهه ثم يطؤه بأقدامه‏,‏ ولم تكن خديجة تستأثر بطعام يحمل إليها خلسة وإنما توزعه علي جميع من في الشعب‏,‏ واستمر الحصار اللعين ثلاث سنوات طوال إلي أن أذن الله فأرسل علي الصحيفة الظالمة ــ التي كتبها الكفار ضد محمد صلي الله عليه وآله وصحبه وسلم ـ حشرة الأرضة فأكلتها ولم تبق فيها إلا اسم الله‏,‏ وتهاوي الحصار أمام قوة الإيمان الصادق والمجاهدة الباسلة‏,‏ وآن للنبي صلي الله عليه وسلم أن يعود إلي بيته في جيرة الحرم المكي‏,‏ مع خديجة المؤمنة الصابرة التي أنهكتها سنوات الحصار والمعاناة والخوف علي الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم‏..‏ وبعد ستة أشهر من انهيار الحصار يموت العم أبوطالب من كان لإبن أخيه صلي الله عليه وسلم‏,‏ أبا وصديقا وكافلا وحاميا ومانعا عنه أغوال قريش‏,‏ قومه‏..‏ ولم تشهد خديجة مأتمه فقد كانت في فراشها تحتضر وزوجها صلي الله عليه وسلم إلي جانبها يؤنس وحشة اللحظات الأخيرة‏..‏

ويقول لها‏:‏ يا خديجة أتكرهين ما أري منك‏,‏ وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا‏,‏ وتسلم الزوجة الحبيبة الروح بعد ثلاثة أيام بين يدي الحبيب وهو يطعمها عنبا من الجنة‏ ..‏ من أحبته وصدقته وناصرته وآمنت برسالته منذ فجر ليلة القدر‏,‏ وجاهدت معه حتي الرمق الأخير‏..‏ ويهبط الرسول صلي الله عليه وسلم يدفنها في قبرها بالحجون‏..‏ ولم تمت خديجة فقد ظلت ماثلة أمام زوجها فلزم بيته وأقل الخروج‏,‏ ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع به حتي سمي عام وفاتها بـعام الحزن‏..‏

وما كان يسير إلا وطيف منها يتبعه‏,‏ وما يسري إلا وسني مشرق منها يبدد من حوله حلك الليالي‏,‏ وستدخل بعدها في حياته الزوجات لكن مكانها في قلبه وفي دنياه سيظل أبدا خالصا للزوجة الأولي‏..‏ الحبيبة التي لم تشاركها رجلها أخري لمدة ربع قرن‏,‏ ولا كانت في حياتها معه ظل لشريكة سواها‏,‏ ولم تفلح واحدة بعدها في إبعاد طيفها عنه‏,‏ وكان عندما يذبح الشاة ويقطعها يبعث بأعضائها لصديقات خديجة‏,‏ وهو الذي من بعد أعوام من وفاتها يلمح قلادة جيدها تبعث بها ابنتها زينب شفيعة لزوجها أسير بدر أبي العاص ابن الربيع فيرق قلب المصطفي صلي الله عليه وسلم ويهزه الشجن لتلفه ريحها فيسأل أتباعه الظافرين في الحرب أن يردوا علي زينب قلادتها ــ قلادة أمها خديجة ــ ويفكوا أسيرها‏..‏ وتغار من ذكراها زوجه السيدة عائشة بنت أبي بكر‏:‏ ما حسدت امرأة ما حسدت خديجة‏,‏ وما تزوجني رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا بعد أن ماتت‏..‏ وأقول له كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟‏!‏ فيتغير وجهه صلي الله عليه وسلم ويغضب حتي اهتز مقدم شعره من الغضب ليزجر غاضبا‏:‏ والله ما أبدلني الله خيرا منها‏:‏ آمنت بي حين كفر الناس‏,‏ وصدقتني إذ كذبني الناس‏,‏ وواستني بمالها إذ حرمني الناس‏,‏ ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء‏..‏

ويختار مكانا إلي جوار قبرها ليشرف منه علي فتح مكة لتؤنسه روح خديجة التي تصحبه من بعد الفتح وهو يطوف بالكعبة يحطم الأصنام ملتفتا بين آونة وأخري إلي دارهما حيث نهل من نبع الحب والحنان ما تزود به لذلك الجهاد المضني الطويل‏..‏ الدار الذي ارتفع عنها الطريق فينزل إليها ببضع درجات تؤدي إلي ممر علي يساره شبه مصطبة مرتفعة عن الأرض بنحو قدم وطولها عشرة أمتار وعرضها أربعة‏,‏ وعلي اليمين باب صغير يصعد إليه بدرجتين يؤدي إلي طرقة ضيقة عرضها نحو مترين تضم ثلاثة أبواب أولها من الجانب الأيسر يفتح علي غرفة صغيرة مساحتها نحو ستة أمتار كان الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم يتخذها محرابا‏,‏ ويؤدي الباب الأمامي إلي بهو متسع طوله ستة أمتار وعرضه أربعة هو مخدع الزوجين الكريمين‏,‏ والباب الثالث علي يمين الداخل يفتح علي غرفة مستطيلة طولها سبعة أمتار وعرضها أربعة لمبيت ــ بناته منها ــ زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم‏,‏ وبطول الدار من ناحية الشمال فضاء شاسع مساحته ستة عشر مترا في سبعة أمتار يرتفع عن الأرض بحوالي متر‏,‏ كانت السيدة خديجة رضي الله عنها تستخدمه مخزنا لتجارتها قبل اقترانها بالرسول صلي الله عليه وسلم‏,‏

وباعتزالها التجارة غدت تلك المساحة لاستقبال الضيوف وهذا الوصف التفصيلي للمنزل الكريم جاء في تاريخ الطبري‏..‏

ذلك البيت شاهد نزول جبريل مرات ومرات‏,‏ وفي حجرة المحراب ذات الستة أمتار سألت خديجة الرسول صلي الله عليه وسلم‏:‏ إذا جاءك الوحي أخبرني‏..‏ وكانت تريد أن تعرف حقيقة الوحي‏,‏ فقال لها ذات يوم‏:‏ ها هو ذا يا خديجة قد أتي‏,‏ ولكن خديجة لم تر جبريل رؤي العين مثل نبي الله محمد لأسباب كثيرة تعددت في كتب السيرة‏.‏

خديجة كانت في الأربعين‏,‏ والبعض أخفض السن للخامسة والثلاثين بينما الزوج الحبيب المختار كان لم يزل في الخامسة والعشرين‏,‏ والبعض أخفض السن لما دونها‏..‏ و‏..‏ نجح الارتباط أيما نجاح‏..‏ علي مدي ربع قرن من عشرة الاكتمال وسلاسة الحال لم يكن في القلب والعقل والملاذ والسكن والرفقة وتحت السقف غيرها‏..‏ عاشا معا في تبات ونبات لينجبا الصبيان والبنات‏..‏ كانت لمحمد عزة وجلالا‏..‏ كانت لليتيم بمثابة الأم الرؤوم‏..‏ وكانت للعابد في خلوة الجبل شريكة السكون ومظلة الأمان وحبل الوريد‏..‏ وكانت للبيت سيدة البيت‏,‏ وللزوج قائمة علي رموش العين‏..‏ وكانت للمبتلي بالجحود وعذابات الصدود وإنكار سطوع الشمس والآيات البينات بمثابة الدرع والجدار ورباط الجأش والجراح وبأس الصمود‏,‏ وكانت للمرتجف من زمتة الضم وجلال الموقف وحضور الملاك وإملاء التلقي وقراءة ليس فيها بقارئ ومهمة الأنبياء لحمل رسالة السماء‏..‏ كانت بنت خويلد لها‏..‏ كانت خديجة الأربعين بسعة أفقها ورحابة صدرها وشلال حبها‏..‏ كانت قدها‏..‏ ليكافئها ربها بهبوط جبريل من أجلها برسالة من الله يقرؤها فيها السلام‏,‏ فيأتي ردها من تمام فقهها‏:‏ إن الله هو السلام ومنه السلام‏,‏

وعلي جبريل السلام‏..‏ ويبشرها ربها ببيت في الجنة من قصب ــ لؤلؤ ــ لا صخب فيه ولا نصب‏.‏

محمد‏..‏ من هنا أحبها وقد رزق حبها وقال في حبها‏:‏ أنا أحبها وأحب من يحبها‏..‏ وعندما ماتت قال عنها‏:‏ ما أبدلني الله خيرا منها‏..‏ وما تجاوزت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها في قول الحق عنها‏:‏ كأن لم يكن في الدنيا امرأة سواها‏..‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
رحم الله خديجة بنت خويلد .. حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته الأولى .. ولا تسعفنى أى كلمات بعد مافات من الكلام الجميل والسيرة العطرة المعطرة للسيدة خديجة رضى الله عنها وأرضاها .. فإلى لقاء قادم فى الجمعة القادمة مع سيرة أخرى عطرة .. من سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
[/

كحلهآ سايل..!
09-14-2008, 07:24 PM
×
.
.

صًلآحٍِ إِدْرًيسُ

يِعْطًيٍِكً آلِعًافِيهْ

وٍِ جَعًلِهُ آللهٍِ فِيّ مِيْزًآنٍِ حَسْنآتٍِكً
.
.
×

لوتس
09-14-2008, 10:23 PM
جزاك الله ألف خير

صلاح ادريس
09-16-2008, 07:03 AM
الأخوات الأعزاء / كحلها سايل ... ولوتس ..

أشكر لكما تفضلكما بمدخلاتكما ... ولكما ودى ... وودادى ... وواصلا ... لنتواصل..